باب الشمس

عندما يشتد القيظ تصبح الكلمة واحة للروح والعقل ... أصنع من كلماتي قصصا يستظل بها المارة ....لأقول فيما بعد أن أشخاصا قد مروا من هنا

الأربعاء,تشرين الأول 03, 2007


حصان

 ـ لو قدر لك أن تركبي حصانا ذات يوم, اضغطي بفخذيك على جسده عندما تعتلين صهوته.

     كنت أراقب صورته المعلقة على جدار غرفتي وأنا أحاول تقليد حركته. أتصور أني لو استطعت فسأشعر حتما بالسعادة، فقط لو قدر لي أن أشبهه. بدلال كنت أسير..أشعر بالفخر وأنا أحرك غرتي كما تتماوج غرته، أحرك رأسي يمينا ويسارا كي يتحرك معها شعري الذي أربطه على شكل ذيل الفرس. هذه هي الصورة الوحيدة التي أحببت فيها شعري طويلا ..فقط كي أشبهه.

     أول لقاء لي معه كان يقف أمامي صامتا، يحرك رأسه في شموخ. يرعش جسده كي ينفض عنه الذباب، بينما ينساب ذيله ناعما وطويلا بين ردفيه.  تأملته في دهشة . جسده الضخم ألقى في نفسي هيبة لم أشعر بها وأنا أتأمل صورته، تعجبت :

ـ تلك القوائم الرشيقة كيف تحمل جسدا بهذه الضخامة.

ارتفاع قامته، وجسده الضخم جعلاني أرهب ركوبه لأول وهلة،  لم أتصور أني سأعتلي صهوة هذا الكائن، وأكون مكان أولئك الذين أراقبهم وهم ينطلقون به على شاشة التلفاز .

     أول لقاء بيننا شعرت فيه بمتعة التلامس والقرب.

كانت الشمس حارقة، وكنت قد غطيت رأسي بحقيبة يدي، عندما  ضغطت  بفخذي على جسده ثم أمسكت بالعنان وبدأت السير . ولأني لم أخطط لكل هذا، لم تكن ملابسي ملائمة  للركوب لكني لم أستطع أن أفوت مثل هذه الفرصة حتى لو كان على حساب مظهري الخارجي . كنت أرتدي تنورة واسعة أدت إلى تكشف ساقي بمجرد أن جلست على ظهر الحصان، ولكن هذا الوضع لم يدم طويلا، إذ مر بجواري حصان يركبه فارس كان يبدو أنه قادم  من خارج

البلاد. كان يضرب الهواء بسوطه ويهمز حصانه بقدميه ليحثه  على الإسراع، ويبدو أن السوط قد أصاب الحصان  الذي أركبه فانطلق هو الآخر بأعلى  سرعته، وفجأة تغير كل شئ، الحقيبة التي وضعتها على رأسي سقطت حتى غطت على عين. وملابسي التي حرصت على إسدالها ارتفعت  للأعلى. حدث كل هذا في اللحظة التي تزايدت فيها سرعة  الحصان حتى أحسست بفقدان الزمن . ولما خشيت من السقوط استسلمت للحظة وتمسكت بالسرج كي لا أطرح أرضا ، بينما ظلت أذناي تسمع من بعيد تعليقات الشباب عن أسراري الغير معلنة.

    كانت صيحات الشباب تأتى من الأماكن التي يصطفون بها، مكثفة عبر العتمة. وكان لسقوط الحقيبة على عيني وقع مخيف، إذ وجدت نفسي أمام نفسي من الداخل بعدما احتجب عني العالم وما يحتويه من مفردات .. الخوف والخجل، الناس والأشياء ، كل شئ توارى ولم يتبق سوى قلب خافق بالدهشة.

    كانت لحظه مرعبة ومنعشة في نفس الوقت، جعلت قلبي يخفق مع وقع أقدام الجواد حتى وصل إلى منطقه نائية، وهناك مثلما انطلق فجأة توقف أيضا فجأة. مددت يدي لأرفع الحقيبة عن رأسي وكانت المفاجأة... لقد توقف على حافة جبل عالي، ولو أنه تقدم خطوة واحدة لسقط وأسقطني  معه. تسمرت في مكاني، بينما ظل هو يدب بقدميه في حركة متواصلة. خفت من تحركه الموسوم بالقلق، فأرخيت له العنان وأدرت السير إلى اليمين، حتى استدار إلى الخلف، وما إن استدرت،  حتى رأيت ذلك الفارس أمامي، كان متأنقا مثل من يركب الخيل في حلبة سباق، يلبس زي الفروسية كاملا ويبتسم .  قال بعد أن استقر حصانه بجواري :

 ـ لم  أتصور أنك خيالة, هل تسابقيني مرة ثانية؟

 عندما نطق بكلمة خيالة، زقزقت عصافير محلقة في صدري مثل تلك التي أستيقظ على صخبها بجوار النافذة كل صباح .

    صخب العصافير ودقات قلبي كانا مثل موسيقى صادحة في صحراء هذا الفارس، فتمنيت أن يشاركني بها مثلما شاركته ذلك السباق. وقبل أن أفتح فمي كي أعترض أو ألتقط  أنفاسي، كان قد ضرب حصاني بسوطه وانطلق من جديد.

    وجه ذلك الفارس الذي لم أره سوى مرة واحدة، كان يطفو في كل مرة أركب فيها الحصان، أسترجعه مصحوبا  بصوت جدي الذي نصحني ذات مرة بأن أضغط بفخذي على جسده عندما أركبه.

    ركبت الحصان وضغطت عليه بفخذي مرة أخرى . في هذه المرة كنت مهيأة له، ولكنه لم يكن مهيأ لي.  كان بلا سرج، وقد غطى السائس ظهره بغطاء من الصوف كي أتمكن من الجلوس عليه. وعندما ضغطت بفخذي على جانبيه، شعرت بعظام ظهره من تحتي تبدو قوية وقاسية، أضفت صلابة عظامه علي صدمة كان لها وقع يسلب البراءة من داخلي. هذه الصلابة هي الاختبار الحقيقي للقناعات. في اللحظة التي تكتشف فيها  مدى صدق أو قوة مشاعرك. لعلي اكتشفت يومها أني أهيم بهذا الكائن الذي ألامسه بجسدي ويصدمني بقسوته.

  هذه المرة لا أذكر كيف انطلق، لكنى أذكر فقط كيف توقف فجأة وانزلقت على الأرض. حدث هذا في اللحظة التي كنت أسترجع فيها تفاصيل وجه ذلك الفارس الذي أطلق في صدري عصافير الدهشة، عندما شعرت فجأة بألم في ظهري.

    كانت الأرض  مليئة بالحجارة، وكان ذلك الذي ضغطت بفخذي على جانبيه يدور حول نفسه في حركه متوترة، يصهل في قلق واضطراب. خشيت أن يدوسني بحوافره، فقمت بصعوبة ووضعت يدي على ظهره، ثم ربت عليه، لكني لم أكد أمرر يدي على جسده حتى وجدت نفسي ملقاة مرة أخرى على الأرض. هذه المرة لم أتمكن من الوقوف على قدمي, شعرت بألم حاد أعلى فخذي، استغرقت دقائق حتى أدركت أن الحصان الذي كنت أربت عليه بيدي لأهدئه، قد رفسني حتى طرحني أرضا.

    في ذلك اليوم جلست على الأرض أنظر للحصان غير مصدقة. أسترجع صوت جدي:

ـ لو ضغطت بفخذيك  على جسده .. سيدرك حينها مدى حبك له .

كنت أتأمل حركته المتوترة أبحث في حركته المتوترة عن ذلك الحب المزعوم . لوهلة ظننت أن حبه يتوارى كلما بدأت صورة ذلك الفارس في الظهور. ولكني عندما وقفت على قدمي وتقدمت قليلا إلى الأمام تسمرت قدماي ! اكتشفت أني أقف على قمة جرف علي ولو أني تقدمت خطوات لسقطت للأسفل عبر هاوية تنتهي بمزارع للسمك. تماما مثلما حدث مع الحصان الذي ركبته أول مرة، وأنقذني من الموت.  

ركبت بعدها الحصان عشرات المرات، وفي كل مرة كنت أضغط عليه بفخذي، استعدادا  لأحاسيس راودتني لأول مرة

وأنا على صهوته.

 نشرت بمجلة تايكي الأردنية عام 2007

 



تعليقان
في06,تشرين الأول,2007  -  11:31 مساءً, hlaal elmashakel كتبها ...

جميله كلماتك تجذب من يقرأها
جميل ألمام بكل خيوط القصه
بكل الود أحييكى مع زيارتى الأولى
حلال المشاكل

في14,تشرين الأول,2007  -  07:25 مساءً, أسماء عواد كتبها ...

حلال المشاكل
شكرا على مرورك
وإن كنت أتمنى أن تفجر لي مشكلة جديدة في الادراج الخاص بأسئلة باب الشمس
ادعوك للمشاركة بإجابتك لأي سؤال منهم في هذه المدونة