باب الشمس

عندما يشتد القيظ تصبح الكلمة واحة للروح والعقل ... أصنع من كلماتي قصصا يستظل بها المارة ....لأقول فيما بعد أن أشخاصا قد مروا من هنا

السبت,حزيران 02, 2007


 

قصة قصيرة

رائحة السفر

 

          لماذا رائحة و رائحة بالذات ؟ لماذا ليس طعم أو إحساس؟ ربما لأن الطعم لا يلقي أثرا إلا في الجسد فحسب أما الرائحة فتتعلق بالروح و الجسد معا . هكذا أستحضرك  يا شهد وأنا أوشك  على السفر، تزورني رائحتك  مصحوبة  بصورتك ، أنت و السفر أمران متلازمان كشخص و ظله.. كل شيء في المطار يذكرني بك  ،بروحك التي تلح على  الأشياء ، و رسمك الذي  يؤكد من حضوره في وجوه من حولي ، مثل هذا الطفل الذي تبرق عيناه ويرسخ في عينيك لون  الأمل والبريق ، كانت عيناك تشتعل بالحلم عندما يأتي ذكر السفر ، و تنطفئ عيناي بالحزن عند اقترابي منه .

           السفر هو الشيء الوحيد الذي يخطو بالآخرين بعيدا عن العادية ويسقطني أنا بها . أسقط بين زجاج الصالة الذي يعكس أضواء الطائرات والعربات ، و بين اللوحة  التي تضيء سبع وعشرون رقم البوابة التي أغادر منها. أسقط بين ذلك الرجل الطويل الذي يحمل طفلته و يخيرها أمام البوفيه  بين البيبسى و الميراندا فتختار الشاني، وبين طفلة تجر أخاها، و أم تضع شيئا في حقيبتها ورجال يدخنون و... و فتاة تبكي !

    *   *    *    *    *

          كان الشارع واسعا بمقدار اتساع مساحات الجبن بداخلي ، وحده يمتد مواجها الصمت في هذا الليل الطويل ، ينشد أغنية قديمة ، يتلو مقاطع من قصائد و مواويل، أخذت أردد بعضها في نفسي. نظر أخي في مرآة السيارة و تابعت أمي نظراته :

                   ـ هذه السيارة تتبعنا منذ خروجنا من المنزل .

       نظرت إليها أعرفها جيدا  هوندا  بيضاء تتبعنا بمسافة ، قلت في برود في محاولة لإخفاء توتري :

                  ـ لو كانت تتبعنا لاستمرت في ذلك .

     خرجت الهوندا إلى طريق فرعي ، عادت أمي للثرثرة مع أخي ، وعدت أنا للمواويل  ، كم تمنينا يا شهد أن نقتسم معا طريق السفر، لو أنك في مكاني هذه المرة لما اختلف شعورك عني كثيرا ، حتما كان الخوف سيدب في نفسك مثلما يحدث لي الآن وأنا أرى الهوندا البيضاء تعاود الخروج إلى الطريق الرئيسي، وحدي أعرف سائقها نظرت إليه رأيته يلبس نظارة طبية ويبتسم ! يا لأنت أتبتسم والطرق تعبق برائحة  السفر !؟

     *    *    *    *    *

           في القاعة الكبرى ومن أعلى صالة المغادرة رأيته  يتسلم أوراقا بيضاء و تذكرة  وجواز سفر. أشار إلى الأعلى ثُم نظر إلي وابتسم، اتجهت صوب الدرج الكهربائي، كنت في طريقي إلى الأسفل ، وكان في طريقه إلى الأعلى ، التقت نظراتنا .. مرة أخرى ابتسم أدركت أنها لن تكون الأخيرة و أني سألتقي به كثيرا، في مقاهىوسط المدينة ..ربما ، و ربما في الربع الخالي أيضا .

       تعودين يا شهد تشعلين شمعة في الذاكرة و تمضين و أنا أنتظر من يحملها و يمضي أو يطفئها و يمضي ، أنتظر من يخدش رو حي ولو بقلم من رصاص ، بخط رفيع  يعيد إليها هويتها التي تفرقت  ما بين المدن والمطارات . أنتمي إلى  وطن لا ينتمي لي ... وهمي الحدود ، لا ملامح له ، قلت لي :

                    ـ  يجب أن نستمد قوتنا من دواخلنا

       أعلم ذلك، إنهم لا يملكون قوة كي يمنحونا إياها لكنهم  قادرون على تحطيم ما نملك منها . و إلا فيما تسمي ذلك الجالس بالمقعد الخلفي ؟ رسم هذا الشخص  يعطي صورة أخرى للقوة ، أراها من خلال كوفيته البيضاء و جواز سفره الذي سلم له في المطار .

            أضاءت إشارة عدم التدخين ، المضيفات يتحركن ذهابا و إيابا ،إحداهن توزع الصحف و الأخرى تتمم على ربط الأحزمة ، مددت يدي  اليوم الأربعاء لا ملحق  يغريني  بقراءة التفاصيل العادية ، اهتزاز مكتوم أعاد إلي واقعي  ، نظرت من النافذة  ، الشمس تزيح بكبرياء جزءا من الليل لتحتل مكانا على جناح الطائرة . راودني شعور بالندم عندما بدأت سرعتها في التزايد ، تمنيت أن أعود لغرفتي لأتمدد على فراشي و أنعم بالأمان. ليتني أستطيع أن أثبت له أن ما يجري في عروقنا دم وليس نفطا أو مياه مجاري،  لكني بعدما  نظرت إلى الخلف و رأيته يبتسم أدركت  أن لا فائدة. مضى أوان العودة و حان أوان الانتظار . أفقت على صوت المضيف :

                ـ عفوا آنسة ..حزام الأمان .

      *    *    *    *    *

            أحكمت ربط حزام الأمان و نظرت من النافذة، كانت مقدمة الطائرة قد ارتفعت، والشمس تلقي خيوطا ذهبية على شعار شركة الطيران و بجواره كتابة خضراء ال........للطيران .

         تشاغلت بالقراءة في الجريدة ، على صفحاتها جاءت الكلمات  لتذكرني بحلم قديم :

         " أيتها الموسيقى الراكضة في قلوب العشاق انطقي

        من أين لك بهذا الشال القزحي المتأجج

        إني أحبك

        ولكن أين صاحبة هذا الشال الأجمل "  *

          في الجزء الشرقي من المتوسط تنام على الطوى .

           ما بين الأرض والسماء أطبقت جفني، رأيتك يا شهد، رأيت سعد وسعيد وهدى وعبد الله ، رأيت خديجة ومحمد، رأيتكم جميعا تمتطون جوادا يسير على رمال صفراء، و أنا  من تحت هذه الرمال أقطن فندقا من الدرجة الخمسين ،بل المائة كل نزلائه مثلي، فقراء، لا يزيد اتساع غرفة أحدنا عن المتر و النصف . انتفضت فجأة، كان العرق يغطي جبهتي، التفت إلى الخلف وجدته شاخصا ببصره إلي، يا الله كن بجواري هذه المرة، المرة فقط .

      *    *    *    *    *

         لم أكن وحدي في المقهى، كان أغسطس يلفحني بحرارته، وكنت من خلال خيوط الدخان الرمادية أحاول قراءة بعض الوجوه، البعض منها أعرف رسمه، و البعض الآخر تختفي تقاسيمه في ملامح الستين مليون. تأملت طاولتي .. غطاؤها الذي يحمل قصائد ونقدا ،و أعقاب سجائر، أخذت أقرأ على صفحته  أسماء  لصور قد مضت. هنا صلاح جاهين، و هنا أمل دنقل، و هنا صلاح عبد الصبور  ... و هناك على الطاولة الأخيرة شخص يلبس نظارة طبية ويبتسم .

               تذكرين يا شهد، كانوا يتساءلون في عيده  ماذا يعني لنا أرض الوطن ؟ و كنت تجيبين :

                ـ سأقبل أرضه لو كتب لي أن أدوسها بقدمي .

     حلم العودة كان يراودك كل يوم، تتمنين رؤيته و لو لمرة واحدة، أما بالنسبة لي فالحلم مختلف . ليس ترابا، وإلا حملته جوالا على ظهري ، أحمله في النهار أنوء به ، وأبسطه في الليل أستريح عليه .

ـ لأنه ليس ترابا أحلم به ... أحلم به أو أموت 

      *    *     *    *    *

           لم أستطع أن أميز إن كانت الرعشة التي أشعر بها تأتي من جسدي أم من الطائرة  و هي  تتباطأ في الهبوط بدا المشهد مألوفا من تكرار السفر، كل شيء لا يزال في موضعه ، القبة البيضاء، والرمال التي أكسبت النخيل جزءا من صفرتها . أخذت أتصفح الوجوه من حولي، لم أجد سواي يرغب في مصافحة حرارة أغسطس وأجهزة  التكيف. تذكرت صاحب ذلك الوجه الباسم  فأخذت أبحث عنه،  و لما لم أجده  دق قلبي عنفا ، نظرت من النافذة لأوهم نفسي بعدم الاكتراث. قد عدت و حتما  سأجد  في اتساع أرضه مأوى لي .

         هبطت من الطائرة وسرت حتى نهاية السرداب، و لما لامست قدماي الأرض، تذكرتك يا شهد ، أمنيتك بأن تقبلي الأرض  فانحنيت حتى لامستها  بجبهتي ، ولما انتهيت ، شاهدت ثوبا وكوفية بيضاء ، وحذاءا و عقالا أسودا ، ووجها يحمل نظارة طبية و يبتسم ، هذه المرة لم يكن يبتسم لي، نظرت إلى الخلف ، رأيت يدا توضع على كتفي ..

               ـ آنسة مقبوض عليك .

 ........................

         *  قاسم حداد

                   الرياض في1990 



في26,تموز,2007  -  02:43 مساءً, مجهول كتبها ...

الأستاذة ،،،، أسماء
لقد قرأت قصتك عدة مرات وكلما قرأتها ازدت شعورا بالقهر
لا أعرف كيف أعبر عن الحزن الذي اصابتني به
هذا هو حالنا بالفعل
لقد عشت مثل هذه التجربة مع اخي
ولقد رددتني للأيام الماضية
اسلوبك جميل وساحر وسلس
واصلي وسوف اتابع كل ما تكتبين
....
الصحراوي

في03,آب,2007  -  01:04 مساءً, أسماء عواد كتبها ...

الأخ الصحراوي

يسرني مرورك وتفاعلك مع القصة تحياتي
وأهلا بك