حصان

كتبها أسماء عواد ، في 3 أكتوبر 2007 الساعة: 19:42 م

حصان

 ـ لو قدر لك أن تركبي حصانا ذات يوم, اضغطي بفخذيك على جسده عندما تعتلين صهوته.

     كنت أراقب صورته المعلقة على جدار غرفتي وأنا أحاول تقليد حركته. أتصور أني لو استطعت فسأشعر حتما بالسعادة، فقط لو قدر لي أن أشبهه. بدلال كنت أسير..أشعر بالفخر وأنا أحرك غرتي كما تتماوج غرته، أحرك رأسي يمينا ويسارا كي يتحرك معها شعري الذي أربطه على شكل ذيل الفرس. هذه هي الصورة الوحيدة التي أحببت فيها شعري طويلا ..فقط كي أشبهه.

     أول لقاء لي معه كان يقف أمامي صامتا، يحرك رأسه في شموخ. يرعش جسده كي ينفض عنه الذباب، بينما ينساب ذيله ناعما وطويلا بين ردفيه.  تأملته في دهشة . جسده الضخم ألقى في نفسي هيبة لم أشعر بها وأنا أتأمل صورته، تعجبت :

ـ تلك القوائم الرشيقة كيف تحمل جسدا بهذه الضخامة.

ارتفاع قامته، وجسده الضخم جعلاني أرهب ركوبه لأول وهلة،  لم أتصور أني سأعتلي صهوة هذا الكائن، وأكون مكان أولئك الذين أراقبهم وهم ينطلقون به على شاشة التلفاز .

     أول لقاء بيننا شعرت فيه بمتعة التلامس والقرب.

كانت الشمس حارقة، وكنت قد غطيت رأسي بحقيبة يدي، عندما  ضغطت  بفخذي على جسده ثم أمسكت بالعنان وبدأت السير . ولأني لم أخطط لكل هذا، لم تكن ملابسي ملائمة  للركوب لكني لم أستطع أن أفوت مثل هذه الفرصة حتى لو كان على حساب مظهري الخارجي . كنت أرتدي تنورة واسعة أدت إلى تكشف ساقي بمجرد أن جلست على ظهر الحصان، ولكن هذا الوضع لم يدم طويلا، إذ مر بجواري حصان يركبه فارس كان يبدو أنه قادم  من خارج

البلاد. كان يضرب الهواء بسوطه ويهمز حصانه بقدميه ليحثه  على الإسراع، ويبدو أن السوط قد أصاب الحصان  الذي أركبه فانطلق هو الآخر بأعلى  سرعته، وفجأة تغير كل شئ، الحقيبة التي وضعتها على رأسي سقطت حتى غطت على عين. وملابسي التي حرصت على إسدالها ارتفعت  للأعلى. حدث كل هذا في اللحظة التي تزايدت فيها سرعة  الحصان حتى أحسست بفقدان الزمن . ولما خشيت من السقوط استسلمت للحظة وتمسكت بالسرج كي لا أطرح أرضا ، بينما ظلت أذناي تسمع من بعيد تعليقات الشباب عن أسراري الغير معلنة.

    كانت صيحات الشباب تأتى من الأماكن التي يصطفون بها، مكثفة عبر العتمة. وكان لسقوط الحقيبة على عيني وقع مخيف، إذ وجدت نفسي أمام نفسي من الداخل بعدما احتجب عني العالم وما يحتويه من مفردات .. الخوف والخجل، الناس والأشياء ، كل شئ توارى ولم يتبق سوى قلب خافق بالدهشة.

    كانت لحظه مرعبة ومنعشة في نفس الوقت، جعلت قلبي يخفق مع وقع أقدام الجواد حتى وصل إلى منطقه نائية، وهناك مثلما انطلق فجأة توقف أيضا فجأة. مددت يدي لأرفع الحقيبة عن رأسي وكانت المفاجأة… لقد توقف على حافة جبل عالي، ولو أنه تقدم خطوة واحدة لسقط وأسقطني  معه. تسمرت في مكاني، بينما ظل هو يدب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

صيف حار جدا

كتبها أسماء عواد ، في 2 سبتمبر 2008 الساعة: 09:26 ص

الصيف المزعج تمحو آثاره ليالي رمضان

http://baabalshamsams.blogspot.com/ 

كل عام وأنتم بخير

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

متى تشعر بأن الصراخ هو الحل الوحيد

كتبها أسماء عواد ، في 24 مارس 2008 الساعة: 18:02 م

السؤال الخامس

هكذا وبدون أي مقدمات متى تشعر بأن الصراخ هو الحل الوحيد؟

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أسئلة باب الشمس س 4

كتبها أسماء عواد ، في 12 يناير 2008 الساعة: 22:03 م

أسئلة باب الشمس

 السؤال الرابع:

تخيل أن صاحبة هذه المدونة قد ماتت… ماذا تحب أن تقول لها بعد أن تموت؟

لتكن أسئلة باب الشمس وما تحظى به من إجابات شعاع ضوء نستنير به أثن

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

السؤال الثالث

كتبها أسماء عواد ، في 14 أكتوبر 2007 الساعة: 09:39 ص

 السؤال الثالث

بمناسبة عيد الفطر نلوي عنق سؤال باب الشمس هذه المرة حتى يناسب فلسفة الباب ( كل شيء بالمقلوب )

 

أنتم الخير لكل عام

  فما الشئ الذي لا تحبونه في العيد؟

لماذا باب الشمس؟

 جاءت فكرة المدونة بعد نجاح الباب الذي احتضنته صفحات مجلة الأطفال قطر الندى . وقد قامت فكرة باب الشمس على طرح أسئلة غير تقليدية  وتلقي الإجابات ، ثم  التعليق عليها بصورة فكاهية أو جادة / عشوائية أو منظمة

لقد توقف باب الشمس بعد دورة تحريرية ناجحة . الآن نستطيع القو

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أسئلة باب الشمس .. س2

كتبها أسماء عواد ، في 29 سبتمبر 2007 الساعة: 00:35 ص

أسئلة باب الشمس

 

السؤال الثاني :

  متى يكون الشر مفيدا ؟ متى تتمنى أن تكون شريرا؟

لماذا باب الشمس؟

 جاءت فكرة المدونة بعد نجاح الباب الذي احتضنته صفحات مجلة الأطفال قطر الندى . وقد قامت فكرة باب الشمس على طرح أسئلة غير تقليدية  وتلقي الإجابات ، ثم  التعليق عليها بصورة فكاهية أو جادة / عشوائية أو منظمة

لقد توقف باب الشمس بعد دورة تحريرية ناجحة . الآن نستطيع القول أن البا ب لا زال مفتو

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حسابات أمي وأبي

كتبها أسماء عواد ، في 21 سبتمبر 2007 الساعة: 17:51 م

الخميس,أيلول 20, 2007

  
أمي جنية وأبي راعٍ
عاد مع المغيب ليشهد حيتين تصطرعان
كادت إحداهما أن تقتل الأخرى
 قبل أن يقتلها أبي بحجرٍ
أخفى كافة المشاهد السريعة بمجرد سقوطه.
ولأنه في خلاء لم يدهش أبي حين أيقظه من نومه شيخ لم يُر شبيهاً له في قبائل الساحل …
كان الشيخ جنياً مسلماً وكانت الحية البيضاء ابنته.
أبي كان توقعه لباقي القصة سليماً فقد كانت الحية التي قتلها جارية أرادت الغدر بسيدتها.
ولأنه اعتاد المقايضات فقد فغر رأسه حين سأله القادم:
كيف أجزيك صنيعك ؟
 
وهو لم يفرك عينيه بعد قال كلمات قلائل كعادته ..أبي:
ليس عندي زوجة … أريد ابنتك.
والشيخ بعد أن أسقط في يده اشترط ألا ينهرها الزوج مهما فعلت فهي ترى مالا يراه وتسمع مالا يسمع ..
وهي ستخرج من ذمته لو نهرها للمرة الثالثة كما هو معلوم.
 
حين دخلت أمي بملابس عروس بدوية قبل أربعمائة عام
لم يتغير شئ في حياة أبي سوى إضافة زوجة إلى البيت
استدعت عزلته عن قبيلته لتجنب الأسئلة.
 
لم يغضب أبي في السنوات الأربع التالية سوى ثلاث مرات
آخرهن حينما نحرت جمله المفضل لضيوفٍ
فات عليه أنه لم يرهم.

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مجتزأ من رواية سلاسل الفيروز

كتبها أسماء عواد ، في 8 سبتمبر 2007 الساعة: 21:42 م

 مجتزأ من رواية " سلاسل الفيروز" 

 مهداة إلى عيد الخميسي 

مع الاعتذار عن طول الادراج ولكن ….!!

   لم يطرق الباب، وجدته فجأة أمامي، وجهه الذي يحمل في تفاصيله تجاعيد تعدت بمراحل مقياس الزمن، لم أستطع أن أحدد كم من السنين حفرت خطوطها عليه. بشرته قمحية داكنة، وشعره أسود يخالطه البياض،  ظهره منحني في وضع الركوع، حتى يكاد يلامس الأرض، كل هذا جعلني أوقن بأنه قادم من مكان لا علاقة له بالزمن. 

 أخذت أحدق به، كان صامتا مثل ميت قد دبت فيه الحياة فجأة كدت أن أسأله عن اسمه عندما تبسم فجأة وأحسست بأني اعرفه قبل أن أولد هو بتفاصيل وجهه الأسمر وشعر صدره الذي يخالطه البياض.

يحدث دوما أن أشاهد إنسانا وأشعر بأني أعرفه أو رأيته من قبل ولكن العكس أن أرى شخصا في خيالي أو منامي ثم أراه فجأة ماثلا أمامي؟ هذا ما فوجئت به عندما وقع بصري عليه.

     كنت أتفحص بطاقات قديمة، أرسلت إلي من أماكن مختلفة عندما ظهر فجأة، تحرك بخطى متأنية حتى جلس في ركن الغرفة بجوار الحائط. اختار مكانا عجيبا للجلوس لم يجلس على المقعد أو حتى على الأرض، بل جلس على الطاولة المنخفضة، على حافتها فقط، حتى يكاد يكون جالسا في الهواء. يتكئ على عصاه التي لفتت نظري منذ وقعت عليها عيناي، تظل بدائية بالرغم من كل شيء، قدمها، نتوءاتها التي لم تشذب، ملمسها الناعم من طول استخدام، كل هذا يضاف إلى تاريخ وجهه الذي يوحي بالقدم.

     هكذا كان عندما رأيته لأول مرة، بداية لم أعرفه، ربما بسبب ظهره الذي واجهني به في بادئ الأمر، وربما بسبب جسده الذي أخفاه تحت عباءته السوداء. بدا لي أنه يستخدمها  ليغطى بها أسراره.

     عندما استدار تكشفت ملامحه، وعرفته في الحال. كنت أحدق في وجهه في ذهول ، لغة صامته نشأت بيننا، دون أن ننطق. بمجرد أن تلاقت أنظارنا، فوجئت بصدري ينشق وشخص يلقي فيه بعلم لا حدود له، إنه هو  يتجسد أمامي بعد سبع سنوات، أليس كثيرا ؟ سبع سنوات من الحنين إلى شخص غير معروف ؟

     ـ سبع سنوات من الغياب .. ما فارقتك فيها يوما.

قال قبل أن يخلع عنه عباءته ويفردها بجانبه.فجأة تغير قوامه . جسده الذي كان منحنيا حتى يكاد يلامس الأرض أصبح ممشوقا وكأنه جسد فارس يمتطي حصانا في حلبة سباق.

قال :

     ـ لقد صدقت الرؤيا … سبع سنوات منذ ظهرت لك وأنت صامدة .. الآن أعطك العهد …هيا افتحي يديك

     في ذهول ـ ودون أن أفكرـ  فتحت يدي، كانت لا تزال تمسك بالبطاقات التي تلقيتها من أنحاء متفرقة وكنت قد نسيت وجودها بها، عندما تساقطت على الأرض سألني هل تعرفين ما العهد ؟

     ليست المرة الأولى التي أمنح فيها عهدا. أول مرة سمعت بها هذه الكلمة شعرت برغبة جارفة في المعرفة، وأحسست بأن المعرفة التي أنشدها مصحوبة بغموض له نكهة السحر، ووجدتني منجذبة إلى عالم له هذي الصفات، عالم قد يكون له من النبل  المتوارث ما يجعلني أحمل الأمانة إلى من بعدي بفخر، مثلما حملها من قبلي …. بمسؤولية نتناقلها عبر الأجيال.

     هذا ما جعلني أرتعش وأنا أردد نص العهد لأول مرة  وراء ذلك الرجل في خشوع . كان قد أمسك يدي اليمنى بيمناه، وباليد الأخرى ناولني الثعبان.. طويلا، أملسا مثل العصا التي يمسك بها. قال رددي ورائي:

ـ منك آخذ العهد وأقبله … منك أتسلمه، وإلى من بعدي أوصله. أن لا أؤذيك ولا تؤذني … محرم علي قتلك بيدي، ومحرمة سمومك على دمي.

 كانت أمي تراقبني وقد اتسعت عيناها في فزع، تنظر إ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أسئلة باب الشمس

كتبها أسماء عواد ، في 14 يوليو 2007 الساعة: 12:19 م

أسئلة باب الشمس

 

السؤال الأول :

  ما السر الذي لم تبح به لأحد من قبل؟

لماذا باب الشمس؟

 جاءت فكرة المدونة بعد نجاح الباب الذي احتضنته صفحات مجلة الأطفال قطر الندى . وقد قامت فكرة باب الشمس على طرح أسئلة غير تقليدية  وتلقي الإجابات ، ثم  التعليق عليها بصورة فكاهية أو جادة / عشوائية أو منظمة

لقد توقف باب الشمس بعد دورة تحريرية ناجحة . الآن نستطيع القول أن البا ب لا زال مفتوحا من خ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قصة خلايا من الغربة

كتبها أسماء عواد ، في 12 يوليو 2007 الساعة: 06:21 ص

 

قصة قصيرة

 

خلايا من الغربة

      قاومت نفسي كثيرا كي لا أكتب إليك، فالكتابة عندما تكون صادقة, لابد وأن تلمس معها جراح القلوب. أكتب إليك اليوم بقلم يلمس كل جراحي فالصدق هنا ليس اختياريا، إنه واقع يفرض علي وجوده، لا  مجال لإنكاره  أو التصدي له.

      أنت  تعلم بأني أعيش الآن مرحلة احتضار بطيء, ليس بسبب ذلك الوحش الذي يسكن منطقة الحوض عندي, فهو بالرغم من كونه هلامي, يتشعب في تجويف البطن دون أن يستقر في مكان ثابت, إلا أنه قابل للعلاج. هذا ما تعتقده أنت وبقية زملائك ولكن الحقيقة ليست كما تبدو لك .  ستفاجأ عندما تعلم بأن العلاج الذي كتبته لي هو سبب الاحتضار الذي يعذبني الآن ! ولأنكم قد قررتم أنه الوحيد الذي يحافظ على جسدي من الموت, كان على أن أختار ما بين موت الجسد أو موت الروح. ولأني أجهل الكثير عن العالم الآخر, آثرت ـ مثل كل البشرـ أن أحتفظ بجسدي حتى لو كان على حساب روحي وخلاصها .

      قبل أن تتعاطف معي, أجد من الأمانة هنا أن أعترف لك بأني أستحق ما يحدث لي, فقد كنت أتوقعه منذ أن قمت بارتكاب ذلك الذنب منذ عشرة أعوام.  أعترف بما فعلت  لعل الاعتراف يمنحني لحظه هدوء فأنا - بالرغم من كل شئ – أستحق السلام مثل كل إنسان يودع هذا العالم إلى عالم يجهله.

     في الماضي لم تكن الحياة مثلما هي الآن، كانت رحبة وواسعة، تماما مثل الصحراء التي خرجت إليها ذات يوم مع إحدى الصديقات، مليئة بالدهشة والاكتشاف. كنت وصديقتي المولعة بآثار الصحراء نقوم بجولة في إحدى المناطق الأثرية، عندما تعرضنا معا لهذا الحدث، الذي أصبح  يتصدر قائمة خبراتها  دهشة وغرابة . وقبل أن أروي ما حدث, دعني أصف لك أولا تلك المنطقة التي كنا في زيارتها, وهى منطقة آثار الدرعية القديمة

      يعود تاريخ بناء الدرعية إلى ما يزيد عن أربع مائه عام, ولا تزال قائمه حتى الآن, بالرغم من بنائها الذي كان من الطين اللبن, شامخة فوق تله عالية تشرف على واد سحيق, تظلله بساتين النخيل يمينا ويسارا . ومن حول كل هذا تبدو الصحراء طاغية في اتساعها ، وجبارة في بعدها على امتداد البصر.

     تلك هي المدينة التي كانت من أعظم, وأكبر مدن الجزيرة العربية حتى عام 181م, والتي كانت الانطلاقة الأولى في العالم العربي, للخلاص من الهيمنة العثمانية, فما كان نصيبها إلا الدمار والتحطيم.  وقد تعرضت مدن كثيرة عبر التاريخ لنفس المصير, لكن مدمريها لم يقوموا بما قام به إبراهيم باشا من طغيان، بعد أن هدم مبانيها، وقتل أهلها، وأخذ يتتبع من سلم من القتل منهم، ويلاحقهم بحملات متتابعة  للتأكد من اختفاء نبض الحياة فيها، وفى قرى الوادي بأكمله .

     وقفت على أبواب المدينة أسترجع قول ابن بشر عنها  وأتعجب،كيف صمدت أمام حصار إبراهيم باشا لعام كامل بينما تساقطت مدن الشام وفلسطين في مدة بسيطة: ـ " شهد أهل الآفاق من العراق والبصرة, وغيرهم بالفضل لأهل الدرعية وقوتهم وثباتهم, وصدق جهادهم, وصبرهم على الحروب, حتى ثبتوا له هذه المدة الطويلة, وقتلوا من عسكره أمما عظيمة " .

     كان الوقت عصرا, وكنا نخشى أن يهاجمنا الليل قبل أن ننهى جولتنا فأسرعنا بالصعود. وبالرغم من برودة الجو, إلا أن إحساسنا بالبرد قد تلاشى بعد أن تسربت إلينا ألوان الصحراء الدافئة. جعلنا هذا نستقبل المطر بنفس الشوق الذي استقبلته به الرمال. هذا المطر  سرعان ما توقف لنبدأ أنا وصديقتي تجربة لم يتح لنا أن نعشها من قبل. الآن وأنا في احتضاري البطيء, لا أجد شيئا يمكنه أن يوقف هذا الاحتضار سوى أن يعود الزمن إلى الوراء, لأعيش في ذلك المكان، وأشم تلك الرائحة من جديد.. رائحة الماضي  ممزوجة بالرمال وبالمطر.

     هكذا وجدت نفسي منذ غادرت الصحراء .. بمجرد أن يأتي الشتاء يعاودني الحنين إليها, فأرحل بحثا عنها ما بين القرى والمدن ، وكانت النتيجة أن توقفت عن البحث, فقد اكتشفت أن لكل مدينه رائحة خاصة بها، تفوح منها بعد أن تغتسل بالمطر. أدركت أن الرائحة تكتسب خصوصيتها من تميز صاحبها، فلا يمكن أن نعيشها إلا مع كائن واحد فقط, نتحد ونتمازج معه. لذا تتجلى رائحة أجساد من نحب, تسكرنا وتدور برؤوسنا, بينما نقشعر منها اشمئزازا عندما تأتى من آخرين.

    تلك التي أحببت .. كم من أرض وطأت قدماي بعدها، أبحث عن  أخرى مشابهة لها فلم أجد، كنت أجد  من يقاربها   في الشكل, أما الرائحة فقد كانت مثل رائحة الجسد لا يمكن أن تجدها إلا فيمن تتحد معه. حتى في العصر الذي كثرت فيه آلات التسجيل، نعجز عن اختراع آلة يمكنها أن تخزن بداخلها رائحة من نحب كي نسترجعها وقتما نشاء .

        تختلف الروائح وتتشابه الصور، وبالرغم من ذلك تظل الصحراء هي الصحراء .. اتساع رهيب, لا يمكن أن تحتويه إلا عندما تتخلص من أنانيتك. عندها تتوحد بك وتمنحك أسرارها. هذا ما راودني في ذلك اليوم بعد أن توقف المطر, وأشرقت الشمس لتلقى بض

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي